أبو الليث السمرقندي
368
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ الأنعام : 145 ] وأما الدم الذي بقي بعد الإنهار فهو مباح ، مثل الطحال والكبد والصفرة التي بقيت في اللحم . ثم قال : وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ يعني أكل لحم الخنزير ، فذكر اللحم والمراد به اللحم والشحم وغير ذلك ، وهذا حرام بإجماع المسلمين . ثم قال : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ يعني حرم عليكم أكل ما ذبح لغير اللّه ، وأصل الإهلال رفع الصوت ، ومنه استهلال الصبي ، وإهلال الحج ، وإنما سمي الذبح إهلالا لأنهم كانوا يرفعون الصوت عند الذبح بذكر آلهتهم ، فحرم اللّه تعالى ذلك . ثم قال : وَالْمُنْخَنِقَةُ وهي الشاة التي تختنق فتموت ، وكان بعض أهل الجاهلية يستحلون ذلك ويأكلونها . ثم قال : وَالْمَوْقُوذَةُ يعني : حرم عليكم أكل الموقوذة وهي التي تضرب بالخشب فتموت ، وأصله في اللغة هي الإشراف على الهلاك ، فإذا ضرب بالخشب حتى أشرف على الموت ثم يتركه يقال : وقذه ويقال فلان وقيذ وقذته العبادة أي ضعف وأشرف على الهلاك . ثم قال : وَالْمُتَرَدِّيَةُ وهي الشاة التي تخر من الجبل ، أو تتردى في بئر فتموت وَالنَّطِيحَةُ وهي الشاة التي تنطح صاحبها فيقتلها . ثم قال : وَما أَكَلَ السَّبُعُ وهي فريسة السبع ، فحرم اللّه تعالى أكل هذه الأشياء كلها على المؤمنين ، ثم استثنى فقال : إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يعني إلا ما أدركتم ذكاته فذكيتموه قبل أن يموت فلا بأس بأكله . قال القتبي : أصل الذكاة من التوقد ، يقال ذكيت النار إذا ألقيت عليها شيئا من الحطب ، وإنما سميت الذكية ذكية لأنها صارت بحال ينتفع بها . وقال الزجاج : أصل الذكاة تمام الشيء . وقوله : إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يعني ما أدركتم ذبحه على التمام . ثم قال : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال القتبي : النصب هو حجر أو صنم منصوب ، كانوا يذبحون عنده وجمعه أنصاب ، ويقال : كانوا يذبحون لأعيادهم باسم آلهتهم . ثم قال : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ والأزلام القداح ، واحدها زلم على ميزان قلم وأقلام ، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يجتمعون عشرة أنفس ويشترون جزورا ، وجعلوا لحمه على تسعة أجزاء ، وأعطى كل واحد منهم سهما من سهامه ، فجمعوا السهام عند واحد منهم أو شيء من الأحجار ، ثم يخرج هذا الرجل واحدا واحدا من السهام ، فكل من خرج سهمه يأخذ جزءا من ذلك اللحم ، فإذا خرج تسعة من السهام لا يبقى شيء من اللحم ، ولا يكون للذي بقي اسمه آخرا شيء من اللحم ، وكان ثمن الجزور كله عليه . وكان نوع آخر أنهم كانوا يجعلون عشرة من القداح ، وكان لكل واحد منها سهم ، ولم يكن لثلاثة منها نصيب من اللحم ، وهو السفيح والمنيح والوغد ، وكان للسبعة لكل سهم نصيب وهو : القذ ، والتوأم ، والرقيب ، والمعلى ، والحلس ، والناقس ، والمسبل . ويقال : كان إذا أراد واحد منهم السفر أخرج سهمين من القداح ، في واحد منها مكتوب أمرني ربي ، وفي الآخر نهاني ربي ، فيخرج أحدهما ، فإن خرج باسمه أمرني ربي وجب عليه الخروج ولم يجز له التخلف ، وإن خرج الآخر لا يسعه الخروج ، فنهى اللّه تعالى عن ذلك كله بقوله : ذلِكُمْ فِسْقٌ يعني هذه الأفعال معصية وضلالة واستحلالها كفر .